الشيخ حسين المظاهري

34

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية

الوجدانيات والنّفس تدركه فطرة من غير حاجة إلى تعلّم أنّ الظّلم قبيح والعدل حسن . قال تعالى : « ونفس وما سوّيها فألهمها فجورها وتقويها » . « 1 » و « فجور النفس » هو الرّذائل و « تقويها » هو الفضائل . فادراك حسن الفضائل وقبح الرّذائل كادراك وجود واجب الوجود وصفاته العليا وأسمائه الحسنى ، فكما انّ الإنسان لو كشفت له الغطاء وزالت عنه الغفلات يدرك فطرة ويجد ويرى بقلبه أنّ هناك ذاتاً جامعة للصّفات الكمالية ، قال اللَّه تعالى : « فإذا ركبوا في الفلك دعو اللَّه مخلصين له الدّين » « 2 » ، فهو يراه ويدعوه ، ويدرك وحدته فلا يلتفت إلّااليه ، ويرى انّه سميع ، عليم ، قدير ، جواد ، رئوف ، و . . . . فيدعوه ويطلب منه انجاءه من المهالك وحوائجه و . . . فكذلك يجد ويرى بقلبه وفطرته حسن الفضائل وقبح الرّذائل . وهذا معنى قولنا انّ الأخلاق من الفطريات . فحسن العفّة والشجاعة والعدالة لا يحتاج إلى دليل وبرهان ، كما انّ قبح الشّره والتّهوّر والظّلم والخمود والجبن والانظلام ايضاً كذلك . الأخلاق من العلم الحضوري ينقسم العلم إلى حصولىّ وهو حصول صورة الشّئ في النّفس ، وحضورىّ وهو حصول نفس الشّىء عند النّفس والأوّل نظير العلم بالأشياء الخارجيّة والثّاني هو علم النّفس بمعلوماته . إذا عرفت ذلك فاعلم انّ الفضائل والرّذائل من القسم الثّاني ، إذ الفضائل والرّذائل كلّها ملكات موجودة في النّفس ، فهما من باب حضور الشّئ عند الشّئ ، ضرورة انّ الفضائل كلّها والرّذائل كلّها في النّفس بل الأفكار والأقوال والأعمال ناشئة منهما .

--> ( 1 ) - الشّمس / 7 و 8 . ( 2 ) - العنكبوت / 65 .